ابراهيم بن عمر البقاعي

572

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الآخرة ما تَدَّعُونَ * أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم . ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئا يسيرا ، نبه عليه بقوله : نُزُلًا أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ما يضاف به . ولما كان من حوسب عذب ، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة ، أشار إلى ذلك بقوله : مِنْ أي كائنا ذلك النزل من غَفُورٍ له صفة المحو للذنوب عينا وأثرا على غاية لا يمكن وصفها رَحِيمٍ * أي بالغ الرحمة بما ترضاه الإلهية ، فالحاصل أن المفسد يقيض اللّه له قرناء السوء من الجن والإنس يزيدونه فسادا والمصلح ييسر اللّه له أولياء الخير من الإنس والملائكة يعينونه ويحببونه في جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات - واللّه يتولى الصالحين . ولما كان هذا لمن كمل نفسه ، أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى أن السعادة التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة ما يصير بها كاملا في نفسه ، فإذا فرغ اشتغل بتكميل الناقص عاطفا على ما تقديره : ما أحسن هذا الذي كمل نفسه ، وقاله تنويها بعلو قدر النفع المتعدي وحثا على مداومة الدعاء وإن أبوا وقالوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ثم قالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ فإنهم لم يقولوا من ذلك شيئا إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية فاندفعت جميع الشبهات وزالت غياهب الضلالات ، فصار تحذير الدعاء موضعا للقبول : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا أي من جهة القول مِمَّنْ دَعا وحد الضمير دلالة على قلة هذا الصنف إِلَى اللَّهِ أي الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو يستعطف كل أحد بما تعرف إليه سبحانه به من صفاته وَعَمِلَ أي والحال أنه قد عمل صالِحاً في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه أعم من أن يكون ذلك الصالح نية أو قولا أو عملا للجوارح الظاهرة سرا كان أو علنا ، ولذا حذف الموصوف لئلا يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء عنها بقوله « دعا » بخلاف ما كان سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر كآية الكهف ، فإنه لا بد فيه من إظهار العمل ليكون شاهدا على صحة الاعتقاد وكمال التوبة ، والدعاء هنا مغن عن ذلك وَقالَ مؤكدا عند المخالف والمؤالف قاطعا لطمع المفسد فيه : إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أي الراسخين في صفة الإسلام متظاهرا بذلك لا يخاف في اللّه لومة لائم وإن سماه أبناء زمانه كذا جافيا وغليظا عاسيا لتصلبه في مخالفته إياهم فيما هم عليه بتسهله في انقياده لكل ما أمره به ربه سبحانه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 34 إلى 37 ] وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 )